صديق الحسيني القنوجي البخاري

465

فتح البيان في مقاصد القرآن

مجاهد هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره ، وقال قتادة هو ذو العيال وقال عكرمة هو المديون ، وقال أبو سنان هو ذو الزمانة وقال ابن جبير هو الذي ليس له أحد ، وقال عكرمة أيضا هو البعيد التربة الغريب عن وطنه وبه قال ابن عباس ، والأول أولى ومنه قول الهذلي : وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البدن في تربة الحال « 1 » وعن ابن عباس أيضا قال هو المطروح الذي ليس له بيت ، وفي لفظ هو الذي لا يقيه من التراب شيء ، وفي لفظ هو الازق بالتراب من شدة الفقر ، وعن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم في الآية قال : « هو الذي مأواه المزابل » أخرجه ابن مردويه والمتربة والمقربة والمسغبة أي كل واحد منها مصدر ميمي على وزن مفعلة . ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عطف على المنفي بلا ، وجاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان وقيل التراخي في الذكر ، وقيل المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم وقيل المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه اللّه . وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ معطوف على آمنوا أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة اللّه وعن معاصيه وعلى ما أصابهم من البلايا والمصائب والمحن والشدائد وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي بالرحمة على عباد اللّه فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين ، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها قال ابن عباس : يعني بذلك رحمه الناس . أُولئِكَ الموصفون بتلك الصفات هم أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي أصحاب جهة اليمين أو أصحاب اليمين أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وقيل غير ذلك مما قدمنا ذكره في سورة الواقعة . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي بالقرآن أو بما هو أعم منه فتدخل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أي أصحاب الشمال أو أصحاب الشؤم أو الذين يعطون كتبهم في شمائلهم أو غير ذلك مما تقدم . عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ أي مطبقة مغلقة يقال أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته . قرأ الجمهور موصدة بالواو ، وقرىء بالهمزة وهما لغتان والمعنى واحد قال ابن عباس مغلقة الأبواب ، وقال أبو هريرة مطبقة .

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( حول ) .